أباء بلا أبوة ..... ندى الزهيري
لاشك أن تلك الحالات التي طرحت ومثيلاتها
؛ نتاج تهاون بعض الآباء بحقوق بناتهم
أباء بلا أبوة
ندى عبد الجليل الزهيري .. السعودية
****
استعباد الأنثى أو بالأصح «رقها» له أشكال وأنماط عديدة، والممارس لهذه العبودية، ليس بآسر ولا بسارق، بل هو من أتمن من قبل الباري على أمانة عظيمة، ووصى عليها، وأمره بحفظ حقوقها ورعايتها، وقد لا يشمل الأب فقط، فقد يشمل الأخ والعم أو أي من له حق الوصاية عليها، والأمر المشكل عند معظم هؤلاء، أن المنافع تتسلط على عقولهم، وتخيم على إحساسهم، فيضحون ببناتهم على مذابح المنافع والمصالح، ومن هذه الأنماط ماضيا وآنيا كثيرون..
وأنا صغيرة كنت أسكن في حي صغير، وكانت جل رفيقاتي في اللعب، بنات حرمن من التعليم بسبب «أن البنات عار عليهن المدرسة ومفسدة لأخلاقهن» فكان بين كل أسبوع وآخر تتناقص صديقة منهن، وعندما أسأل عنها، يقال لي – ملكت - وستتزوج قريبا، وهن لم يتجاوزن التاسعة من العمر، وغالبا ما يكون أمر زواجهن ؛ مقايضة لمال أو لمصالح، أو تبادل بناتهن! كل ابنة مقابل الأخرى لأنفسهم أو أبناءهم، دون دارية البنت أو حتى مشاورتها، وإن شاوروها، هي أيضا لا تفقه ما يدور حولها لجهلها وصغر سنها، كما لا يخطر ببالها بأن أباها أو أخاها أو وليها يعتبروها مجرد سلعة أو جائزة يفوز بها من يدفع أكثر.
المآسي كثيرة، ونواتج هذه الزيجات محزنة، ولم ينجين منها إلا ما رحم ربي! والغريب في الأمر، أن هؤلاء لا تجدن من يحتضنهن، إذا لم تنسجم أو تتعايش مع من باعوها إليه، بل تهدد من قبل والدها بأن خروجها من بيت الزوجية معناه أن القبر هو البديل!
لم أنسى وصية والدتي - رحمها الله - ليلة زفافي، وإثناء ما أطبع على رأسها قبلة الوداع، قبضت على يدي بحزم ونظرت لي بعينين وجلتين وقالت: أعلمي يا ابنتي بان زوجك هو ربك الصغير، ولا بد من الخضوع له وإطاعته وعدم معصيته في شيء، ولا يبدر منك أي عصيان، وإن كان كما قالت حرفيا «عبدا لأبيك» فهو له الحل والربط، وإن ضربك على خدك الأيمن فابسطي له خدك الأيسر واصبري، ومن صبر على بلاد حكمها يا ابنتي!!
رغم عشقي لوالدتي وتقديسي لها، واعتباري وإعجابي للكثير من منطقها ووعيها ونصائحها، إلا أن نصيحتها تلك، توقفت عندها كثيرا، وتأملتها وحاولت أن أخرج لها مخارج توافق المنطق أو المشروعية، فلم أفلح!!
هذا النهج المتوارث الذي يمنح للفتاة، يجعلها تتقبل الفشل والعوج والجور بأشكاله وألوانه، وبالتالي تحرم الإنسانية من علماء ومخترعين وعظماء هي في أمس الحاجة إليهم.. وبعبارة أخرى: كيف تستطيع أمهات المستقبل أن تفجر طاقات أطفالها ومهاراتهم ومواهبهم وتنمي قواهم وإمكانياتهم في ظل الضعف والذل والهوان الملقن لها؟! وهي الدينمو المحرك في كل ساكنة وراكنة في بيتها وأسرتها، وعلى حد قول الشاعر أحمد شوقي :
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق
صادفتني إحداهن وأنا في طريقي للمدينة المنورة عن طريق البر، وهذه لم أشاهدها منذ زفافها - كانت في العاشرة من العمر - إلى أن التقيت بها قبل ثلاثة أعوام تقريبا، وهي من عرفتني بنفسها، حيث إني لم أعرفها تماما لا لنسيان مني، ولكن لتبدلها تماما، شكلا ومضمونا، وأول ما سألتها عن حالها وما آلت إليه بعد الزواج، بكت بدمع ساكب، وقالت لو جلست أخبرك عن حالي لمضت أيام وليالي دون أن أنتهي «الخلاصة» أنها زوجت لمريض نفسيا، لا يعمل، ولها أطفال منه، ولامفر من البقاء معه، لجبروت والدها وتهديده لها لو فكرت بالخلاص..
أخرى، أجبرت على قريبها، وهو يكبرها بسنوات عديدة، وحرمت من إكمال تعليمها المتوسط، ومن مريلة المدرسة! لفستان الزفاف، إلى السفر للخارج، وهناك تفنن ذلك الزوج في تعذيبها وذلها وإهانتها، من ضرب وشتائم وإهمال عاطفي، وهجرها في الفراش، وغيره من ألوان التعذيب، حتى قررت وهي في بلاد الغربة، أن تحرق نفسها وتتخلص منها بأي طريقة، ولخوفها من إفشاء الأمر لوالدتها أو أختها الكبرى، بقت خمس سنوات، تعاني الأمرين.
وفي الوطن بدأت تشكو همها لأهلها، وتعالي زوجها عليها ومعايرته الدائمة بأنه المتعلم ذو الشهادة الجامعية، وهي الجاهلة، رغم أنها أقصيت قهرا من مقاعد الدراسة، وبعثت للقيام بخدمته، وتوفير سبل الراحة له، وتهيئة الجو المناسب لكي يستذكر وينجح!
رغم كل هذا الأذى والأب يرفض طلاقها بل يلمها ويتهمها بأنها هي التي لم تعرف كيف تتعامل مع زوجها!!
طبعا لا زال الزواج قائما ولكن الحال يزداد سوءا والأولاد هم الضحايا في جو مشحون بالمشاجرات والتذمر والاضطهاد، فنشئوا على مناظر الضرب والإهانة والاستعباد لوالدتهم، حتى أصبحوا يكرهون والدهم حد التمني بموته،،
لاشك أن تلك الحالات التي طرحت ومثيلاتها ؛ نتاج تهاون بعض الآباء بحقوق بناتهم المشروعة، ولكونه الولي عليها، يفعل بها ما يشاء، ويلقي بها في براثن المجهول، بتزويجها في سن مبكرة جدا وجهلها بمقومات الحياة الزوجية السعيدة والمتمثلة في الاستقرار النفسي والعاطفي، والاجتماعي، فكيف بتلك الصغيرات - اللواتي أرغمن للزواج بطريقة أو أخرى - أن يتمكن من تحقيق الهدف المنشود من الزواج ؛ في حين لم يكتمل نضوجهن العقلي والنفسي والجسماني؟!.
كما أن في أحيان كثيرة لا يوجد تكافؤ في العمر وهو شرطاً صحياً واجتماعياً لنجاح أي زواج، وبالتالي أصبحت هذه الزيجات غير متوازنة، وفقدت المنهج الصحيح في المشاركة والبناء الأسري الناجح، حتى بدت غير قادرة على تحمل أعباء الحياة ومصارعة الشدائد.
لا شك أن ثقافة الأمس الناتجة عن قلة الوعي لدى أفراد المجتمع من مساوئ الزواج المبكر وأضراره على الفتاة الصغيرة اجتماعياً ونفسياً وصحياً لم تعد فاعلة ولا بد من بتر هذه الممارسات الخطيرة، وتصحيح المفاهيم التي ثبتت ضررها، ولا بد أن يعي المختصون من رجال الدين، وعلماء النفس والاجتماع، والباحثون، وجمعيات حقوق الإنسان، والمتمثلة في جمعية حقوق المرأة والطفل في مثل هكذا قضايا، والوقف بحزم في وجه هذه الممارسات الظالمة، والتي أودت بالكثير إلى مهاوي الحيرة والتعاسة والضيم.
وما نشاهده اليوم من قضايا يشيب لها شعر الولدان لفداحتها من جرائم عنف وسلب ونهب واغتصاب وغيرها، إلا مخرجات التفكك الأسري المنفك من الخلاف بين الزوجين، وانعدام التوافق بينهما، مما يؤدي إلى انشغالهما عن القضايا المهمة من المراقبة لأبنائهما، وتوجيههما للطرق الصحيحة، وتفقد حاجتهم وأمورهم وما ينقصهم وإشباعهم عاطفيا وتعزيز ذواتهم، حتى يكتمل لديهم التوازن المعنوي والنفسي، مما يساهم في خلق النشء السوي، الذي يصبح في المستقبل قادرا على البناء والعطاء.
تساؤلات تفرض نفسها: من المسئول عن كف أيدي الظالمين الذين يستخدمون صلاحياتهم الرسمية والاجتماعية من العبث ببراءة الطفولة، ووضع حد لهذه الممارسات التي يندى لها الجبين عند سماعها في أقرب وقت دون تسويف؟
وهل من موقف قانوني صارم يحد من هذه القضية، وربطه بالمواثيق الدولية؟.
Written By: Abo Ali
Date Posted: 2/14/2010
Number of Views: 209
Return